۱۳۸۸ آبان ۲۵, دوشنبه

ودخل ذات مرة على ملك شاه أحد العلماء الكبار واسمه : " الحسين بن علي العلوي " وكان من علماء الشيعة ، وطلب إلى الملك شاه حاجة ، وأرجأه ملك شاه إلى أن يأتي الوزير : " نظام الملك " . ولما خرج هذا العالم من عند الملك غمزه بعض الحاضرين .

قال الملك : لماذا غمزته ؟ !

قال الرجل : ألا تعرف أيها الملك إنهم من الكفار (1) الذين غضب الله عليهم ولعنهم .

قال الملك : متعجبا ؟ ! ولماذا ؟ ! أليس هو مسلما ؟ ! فقال الرجل : كلا ، إنه شيعي .

قال الملك : وما معنى الشيعي ؟ أليس الشيعة هم فرقة من فرق المسلمين ؟ !

قال الرجل : كلا ، إنهم لا يعترفون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان .

قال الملك : وهل هناك مسلم لا يتعرف بخلافة هؤلاء الصحابة الأجلاء ؟ .

قال الرجل : نعم ، إنهم هم الشيعة .

قال الملك : وإذا - كانوا - لا يعترفون بخلافة هؤلاء الصحابة الأجلاء ، فلماذا يسميهم الناس مسلمين ؟ !

قال الرجل : ولذا قلت لكم إنهم كفار . . . . ( 2 ) فتفكر الملك مليا ثم قال : لا بد من إحضار الوزير " نظام الملك " لنرى جلية الحال

حوار بين الملك و وزيره نظام الملك

أحضر الملك " نظام الملك " وسأله عن الشيعة ، هل هم مسلمون ؟

قال نظام الملك : اختلف أهل السنة فطائفة يقولون : إنهم مسلمون وطائفة يقولون : إنهم كفار .

قال الشيخ الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي : إجماع أهل السنة : إن من كان مقرا بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ملتزما له إنه وإن كان فيه خصلة من الكفر الأكبر ، أو الشرك أن لا يكفر حتى تقام عليه الحجة الذي يكفر تاركها ، وأن الحجة لا تقوم إلا بالإجماع القطعي لا الظني وأن الذي يقوم الحجة : الإمام أو نائبه وأن الكفر لا يكون إلا بإنكار الضروريات من دين الإسلام كالوجود والوحدانية ، والرسالة أو بإنكار الأمور الظاهرة كوجوب الصلاة . وإن المسلم المقر بالرسول إذا استند إلى نوع شبهة تخفى على مثله لا يكفر وإن مذهب أهل السنة والجماعة التحاشي عن تكفير من انتسب إلى الإسلام . الصواعق الإلهية ص 31 ط استانبول عام 1979 م .

وقال الإمام الغزالي : وكيف يقال لمن آمن بالله واليوم الآخر ، وعبد الله بالقول الذي ينزه به ، والعمل الذي يقصد به المتعبد لوجهه ، الذي يستزيد به إيمانا ومعرفة له سبحانه ثم يكرمه الله تعالى على ذلك بفؤاد المزيد ، وينيله ما شرف من المنح ، ويريه أعلام الرضا ، ثم يكفره أحد بغير شرع ولا قياس عليه ، والإيمان لا يخرج عنه إلا ينبذه وإطراحه وتركه ، واعتقاد ما لا يتم الإيمان معه ولا يحصل بمقارنته . راجع الإملاء في إشكالات الإحياء للغزالي ص 57 ط مصر ، م 1357 ه‍ ) وقال ابن القيم : في طرق أهل البدع الموافقون على أصول الإسلام ولكنهم مختلفون في بعض الأصول كالخوارج ، والمعتزلة - والقدرية ، والرافضة . . ( فهؤلاء أقسام ) أحدها : الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ، ولا يفسق ، ولا ترد شهادته . . . ( راجع : الصواعق الإلهية ص 19 للشيخ سليمان النجدي )

قال الملك : وكم عددهم ؟

قال الوزير : لا أحصي عددهم كاملا ، وإنما قريب من نصف المسلمين

قال الملك : فهل نصف المسلمين كفار ؟ !

قال الوزير : إن بعض أهل العلم يعتقدون أنهم كفار ، وإني لا أكفرهم .

قال الملك : فهل لك أيها الوزير أن تحضر علماء الشيعة ، وعلماء السنة لنرى جلية الحال .

قال الوزير : هذا أمر صعب ، وأخاف على الملك ، والمملكة .

قال الملك لماذا ؟

قال الوزير : لأن قضية الشيعة ، والسنة ليست قضية حق وباطل ، وإنما هي : - قضية - جرت فيها : الدماء ، واحترقت فيها المكتبات ، وأسرت فيها نساء ، وألفت فيها الكتب ، وقامت لأجلها حروب ! !

تعجب الملك الشاب لهذه - القضية - العجيبة ، وفكر فيها مليا وقال : أيها الوزير : إنك تعلم أن الله أنعم - ! علي - بالملك العريض ، والجيش الكثيف فلا بد أن نشكر الله على هذه النعمة ، ويكون شكرنا أن نتحرى الحقيقة ، ونرشد الضال ، إلى الصراط المستقيم . فإذا هيات مثل هذا المجلس بحضور العلماء ، من أهل السنة ، وأهل الشيعة بحضور القواد ، والكتاب ، وسائر أركان الدولة ورأينا أن الحق مع أهل السنة ، أدخلنا الشيعة في السنة بالقوة .

قال الوزير : وإذا لم يقتنع الشيعة في السنة بالقوة . قال الوزير : وإذا لم يقتنع الشيعة بأن يقبلوا الحق فماذا تفعل ؟ قال الملك الشاب : نقتلهم . قال الوزير : وهل يمكن قتل نصف المسلمين ؟ ! قال الملك : فما هو العلاج ؟ ؟ قال الوزير : أن نترك هذا الأمر . إنتهى الحوار بين الملك والوزير ، لكن الملك بات تلك الليلة قلقا ، ولم ينم إلى الصباح فكيف يستعصي عليه هذا الأمر المهم ؟ ! وفي الصباح الباكر دعى " نظام الملك " وقال له : حسنا ، نحضر علماء الطرفين ، ونرى نحن من خلال المجادلات - المحادثات - التي تدور بينهما أن الحق مع أيهما ، فإذا كان الحق مع أهل السنة دعونا الشيعة بالحكمة ، والموعظة الحسنة ، ونرغبهم بالمال ، والجاه كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤلفة قلوبهم ، وبذلك نتمكن من خدمة الإسلام ، والمسلمين .

قال الوزير : رأيك حسن ، ولكني أتخوف من هذا الحوار .

قال الملك : ولماذا الخوف ؟

قال الوزير : إني أخاف أن ترجح احتجاجات الشيعة على احتجاجات السنة وبذلك تقع في عقيدة الناس ثلمة ، وفي الملك خلل لا يمكن سده .

قال الملك : وهل يمكن ذلك ؟ ! أليس أن أهل السنة على حق .

قال الوزير : نعم . السنة هم أهل الحق " لكن الحجة قد تعوز المحق " فلم يعجب كلام الوزير : الملك وقال : لا بد من إحضار علماء الطرفين لنرى الحق ، ونميزه عن الباطل ، فاستمهل الوزير شهرا .

لكن الملك الشاب لم يقبل ، وأخيرا قرر أن تكون المدة خمسة عشر يوما وفي هذا الأثناء جمع " نظام الملك " عشرة من كبار علماء أهل السنة الذين يعتمد عليهم في التاريخ ، والفقه ، والحديث ، والجدل ، والأصول كما أحضر عشرة من علماء الشيعة وكان ذلك في شهر شعبان في المدرسة النظامية في بغداد ، وقرروا أن يكتب حاضر الجلسات ، وأن يكون البحث ممتد من الصباح الباكر إلى المساء ، باستثناء وقت الأكل ، والصلاة ، والراحة . كما قرروا أن تكون المجادلة عن المصادر الموثوقة لا على المسموعات والشايعات . وفي اليوم المعين عين الملك لقواده مكانا خاصا . وجلس علماء السنة على يمين الملك كما جلس علماء الشيعة على يساره وافتتح " نظام الملك " الجلسة باسم الله تعالى وقال : لا بد وأن يكون الجدل نزيها ، وأن يكون طلب الحق هو رائد الجميع ، وأن لا يذكر أحد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بسب ، أو سوء .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1)قال الأستاذ الشيخ محمد عبدة : إن من أصول الدين الإسلامي : البعد عن التكفير ، وإن مما اشتهر بين المسلمين ، وعرف من قواعد أحكام دينهم أنه إذا صدر قول قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ، ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان ، ولا يجوز حمله على الكفر . ( الإسلام والنصرانية ص 55 طبع القاهرة )

( 2 ) قال الأستاذ المستشار عبد الحليم الجندي : أهل السنة لا يكفرون إلا من يجحد فرائض الإسلام لأنه جاحد للأصل . يقول الغزالي : ( إعلم أن شرح ما يكفر به وما لا يكفر به يستدعي تفصيلا طويلا ، فاقنع الآن بوصية ، وقانون : أما الوصية فإن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ، ما داموا قائلين لا إله إلا الله ، محمد رسول الله . وأما القانون فهو أن تعلم أن النظريات قسمان : قسم يتعلق بأصول القواعد ، وقسم يتعلق بالفروع . وأصول الإيمان ثلاثة : الإيمان بالله وبرسوله ، وباليوم الآخر ، وما عداه فروع . واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلا . إلا في مسألة واحدة . وهي : أن ينكر أصلا دينيا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتواتر . لكن في بعضها تخطئة كما في الفقهيات . . ) . الإمام جعفر الصادق ص 256 طبع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر .